قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي
445
الخراج وصناعة الكتابة
وصواب النظر . فان الملك إذا كان عادلا شمل الاقساط جميع أفعاله ، وعم الصواب كل أحواله واستقامت الخلال المحمودة التي تكون معه حتى لا يجري شيء منها على سرف ولا تكثير ، ولا نقص ولا تقصير والشح ، من الخلال المذمومة ، التي لعلها تعرض « 6 » له حتى يخلو منها ، أو من أكثرها بمعاتبته نفسه عليها ، ونهيه لها عنها وقد يستغنى الملك إذا كان عادلا من أن يكون رحيما لان الرحمة انما هي تركيب في خلق النفس من ود وجزع ، فإذا عدل الملك حتى لا يضع عقوبته الا في حقها ، كانت الرحمة ناقصة منها ، وعاد ذلك بالضرر في التدبير . ومما يحتاج الملك أن يكون متطلبا له ، وناظرا فيه ، سير من تقدمه من الملوك ليقبل « 7 » أفعال من حمدت أفعاله ، وكانت متصفة بالسداد أحواله ويتجنب سيرة من ذمت سيرته ، ولم يكن ممن ترتضى طريقته ، ويحتاج الملك أن يخلوا من خلال في كونها معه ضرر عليه في ذات نفسه ، وفي تدبير رعيته ، ومصالح مملكته منها اللجاج والمحك فإنهما لا يكونان الا في الطباع الرديئة ، ومن الخلائق الدنيئة ، وهما مع هذا يعوقان مجارى الرأي عن « 8 » الانبعاث . ومنها البذخ ، فإنه تابع أبدا لصغر الهمة ، ومنها التهاون بالأمور فان اليسير في ذلك ينتج كثيرا من الخطأ وعظيما من البلاء . وقد ذكر مروان بن محمد : وكان من أكابر ملوك بني أمية وشجعانهم ، وذوي الرأي والسياسة منهم ؛ لما دفع إلى ملك قد وهت قواه وانتفضت عداه باهمال المضيعين وتقصير المترفين ، فأخذ يروم تلافيه وقد عسر ، وتقصد لرتقه وقد زاد الخرق واتسع وباشر من حرب المسودة « 9 » ما اشتد عليه حتى انهزم فلجأ في انهزامه
--> ( 6 ) في س : يعرض . ( 7 ) في س : ليقتل . ( 8 ) في س : من . ( 9 ) يقصد بهم ( العباسيون ) لأنهم اتخذوا اللون الأسود شعارا لهم .